ساسي سالم الحاج

19

نقد الخطاب الاستشراقي

إن هدف التعريف عند أرسطو وأتباعه خاصة « ابن سينا » هو تحديد . . . « جوهر الأشياء » . . والعناصر الأساسية التي تتألف منها « 1 » . ومع ذلك فإن جميع التعريفات لا تصل إلى هذه الدرجة من الدقة لتحديد جوهر الأشياء وعناصرها الأساسية ، كما أنها لا تقدم في حقيقة الحال إلّا مجموعة من « الشروح » . وهذه الشروح لا تخلو عادة من الفائدة لأي من العلوم خاصة من الناحية المنهجية الصرفة . إلا أن التعريف الوارد على « جوهر » الأشياء هو مثار خلاف بين المناطقة ، الأمر الذي يؤدي بها إلى تعقيد التعريف ذاته . فأرسطو مثلا يرى أن جوهر الشيء مؤلف من عنصرين هما « الجنس » الذي ينتمي إليه الشيء الذي نعرّفه ، و « الفصل » الذي يميز ذلك الشيء ممّا عداه من سائر الأشياء التي تدخل معه في ذلك الجنس ، على أنه يجب أن يفهم هنا أن « الشيء » يقصد به النوع لا بمعنى الفرد الجزئي الواحد الذي لا تعريف له ، لأن تعريف الشيء هو تحديد لصفاته تحديدا ثابتا لا زيادة فيه ولا نقصان ، ولا ينطبق هذا على الفرد الجزئي الذي تتغير صفاته وعلاقاته بغيره في كل لحظة من لحظات حياته « 2 » . والصعوبة التي نستخلصها من هذا التحليل أن الشيء الذي لا جنس له لا تعريف له ، وكذلك لا تعريف للشيء الذي لا تفصل الفواصل الجوهرية بين أفراده . فإذا تركنا أرسطو وأشياعه ، وانتقلنا إلى أنصار المذهب الوضعي لرأيناهم يهتمون بالتعريف « الاسمي » الذي لا يبحثون فيه عن الجوهر المفروض على الأشياء بل يهتمون بمعنى اللفظ وما تواضع عليه الناس في استعمالهم للّغة من أجل التفاهم وهو ما تعارف المناطقة على تقسيمه إلى التعريف القاموسي والتعريف الاشتراطي . ونحن لا يهمنا الدخول في تفاصيل هذه الأمور حتى لا نبتعد كثيرا عن موضوعنا الأساسي ، ولكن الذي نبتغي البرهنة عليه هو صعوبة تعريف « الأشياء » . ومن هنا قولنا بنبذها جملة وتفصيلا حتى لا نكون ضحية هذه الصعوبات خاصة إذا علمنا أنه يشترط لكل تعريف أن يكون « واضحا ودقيقا » . فالدقة تؤدي بنا إلى النفاذ إلى جوهر الأشياء والوضوح بالنسبة للتعريف يكتسب نفس قوة « النتيجة » بالنسبة للمنطق . وهكذا تتحدد صعوبة التعريف طبقا لهذين الشرطين ألا وهما « الدقة والوضوح » . فالفيلسوف « ابن سينا » يرى

--> ( 1 ) ابن سينا ، كتاب الإشارات والتنبيهات ، نشر فورجيه ، ليون 1982 م ، ص 17 . ( 2 ) د . زكي نجيب محمود ، المنطق الوضعي ، الطبعة الخامسة ، القاهرة ، 1973 م ، ص 123 .